|
|
|
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة طه [1] |
|
سورة طه
سورة مكية، وهي من العتاق الأول، وقد افتتحها الله
تعالى بقوله: (طه)، وهي من الحروف المقطعة المختلف
في معناها، وهناك من يقول: إن (طه) اسم للنبي صلى
الله عليه وسلم، ثم ذكر الله تعالى الغرض من إنزال
القرآن الكريم على نبيه، وهو أنه للتذكرة والموعظة
لمن يخشى الله تعالى، وفي بداية السورة ذكر الله
تعالى أن له الأسماء الحسنى، وأنه سبحانه يعلم
السر وأخفى .. وفي ذلك فوائد عظيمة وثمرات جليلة
ينتفع بها المؤمن في حياته وآخرته. |
|
|
|
الحمد لله حمداً
كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب
ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل
التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً
عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله
وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره
واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فسورة طه من العتاق الأول
مثل قرينتها سورة الكهف، وقد أنزلت
سورة طه بعد سورة مريم، وهي كذلك في
ترتيب المصحف بعد مريم، لكن الذي
جعلنا نبدأ بسورة طه أن لنا تفسيراً
لسورة مريم موجود بين الناس متداول
فأحببنا أن نبدأ بما لم نشرع به،
فلذلك بدأنا بسورة طه، وسنعود إن شاء
الله تعالى إلى سورة مريم، لكن من حيث
النزول طه نزلت بعد مريم، وكلاهما
سورة مكية، إلا آيتين من سورة طه
اختلف فيهما وهما: الآية رقم مائة،
ومائة وإحدى وثلاثين....... |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
قال تعالى:
فَلَمَّا
أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى
*
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ
نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ
الْمُقَدَّسِ طُوًى
[طه:11-12]
من الذي ناداه؟ إنه رب العزة جل
جلاله، وهذا مقام عظيم ومنزل شريف
وعطية قل ما تعدلها عطية إلا أن يرى
العبد ربه .. (( فَلَمَّا أَتَاهَا
نُودِيَ يَا مُوسَى ))، وقد كان في
خوف فطمأنه الله ولم يطالبه بالتكليف،
بل قال له: إني أنا ربك؛ ليشعره
بالاطمئنان، والإنسان عندما يسمع
رجلاً أقوى منه مديره أو أبوه أو أخوه
يطمئنه أنه معه فيغشاه شيء من
السكينة، فكيف إذا سمع عبد مخلوق في
ليلة شاتية مظلمة رب العزة جل جلاله
يناديه: إني أنا ربك، من غير واسطة.
(( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ))، والمقصود
من خلع النعلين أمران: الأول: أن تمس
موسى كله بركة الوادي، فلا يصبح هنا
فاصل بين بركة هذا الوادي المقدس وبين
جسد موسى، الأمر الثاني: أن يشعر موسى
بالتواضع وعظمة الوقوف بين يدي رب
العزة والجلال جل جلاله في مقام
العبودية. (( إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ
بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ))،
وانظر كيف يؤدب الله نبيه ويرعاه
ويخبره بكل شيء؛ فأخبره بأنه ربه،
وأخبره بأنه في واد مقدس اسمه: طوى،
والإنسان إذا كان يجهل الأشياء التي
حوله يصيبه الرعب، فأول شيء أعطاه
الله لنبيه موسى أن عرفه بالأشياء
التي حوله. وقوله: (( بِالْوَادِ
الْمُقَدَّسِ طُوًى ))، هذه شهادة من
رب العباد لهذا الوادي بأنه واد مقدس
قطعاً، ولو لم يكن وادياً مقدساً لما
اختار الله تلك البقعة التي سماها في
سورة أخرى: (بقعة مباركة) ليكلم فيها
عبده وكليمه وصفيه موسى بن عمران.
وقوله: (طوى): بدل من الوادي المقدس،
أي: اسم الوادي طوى. ...... |
|
|
|
|
|
|
قال تعالى:
إِنَّ
السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ
أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ
بِمَا تَسْعَى
[طه:15]،
أخذ الله جل وعلا يبين لموسى قضية
الساعة، والساعة: هي الإذن بفناء
الدنيا: (( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ
))، أي: قادمة لا محالة، (( أَكَادُ
أُخْفِيهَا ))، اختلف العلماء في معنى
(أكاد)، لكن الأظهر أن يقال: إنها فعل
من أفعال المقاربة نحوياً، وكاد وأوشك
وعسى تعمل عمل كان وأخواتها، لكن
الفرق بينها: أن كان وأخواتها خبرها
يأتي مفرداً ويأتي جملة أسمية ويأتي
جملة فعلية، أما كاد وأوشك وعسى
فيشترط في خبرها أن يكون جملة فعلية،
فانفكت عن كان في العمل من هذا الباب.
فقوله: (أكاد) بمعنى: أقارب، وعلى ذلك
يصبح معنى الآية: أن الله لم يخف
الساعة بالكلية، وإنما أظهر أشراطها
وعلاماتها، وفي نفس الوقت عينها
تحديداً لا يعلمه إلا الله. قال
تعالى: (( أَكَادُ أُخْفِيهَا
لِتُجْزَى ))، أي: بعد إتيانها، ((
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ))، وكل
من ألفاظ العموم. قال تعالى: (( فَلا
يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا
يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ
فَتَرْدَى )) الخطاب هنا لموسى،
وقوله: (عنها) قيل: إن الضمير عائد
على الصلاة، وقيل: إنه عائد على
الساعة، أي: لا يصدنك عن الإيمان
بالساعة، والصواب أن يقال: المعنى:
أي: لا يصدنك عن الإيمان بالساعة وما
يتعلق بالاستعداد لها (( مَنْ لا
يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ
فَتَرْدَى ))، فذكر الله صفتين
للصادين عن سبيله وهما: عدم الإيمان
بالله، واتباع الهوى، ثم قال الله جل
وعلا: (فتردى) أي: فتهلك، والمقصود
بالهلاك هنا: دخول النار وعدم مقاربة
الجنة، وهو أعظم الهلاك....... |
|
|
|