|
|
|
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة طه [6] |
|
حينما
كان موسى عليه السلام في ميقات ربه في جبل الطور
غائباً عن بني إسرائيل وكان قد استخلف عليهم أخاه
هارون، استغل السامري هذه الفرصة فصنع لبني
إسرائيل عجلاً من ذهب له خوار، وأمرهم أن يعبدوه
فعبدوه من دون الله تعالى، وقالوا: إنه إلههم وإله
موسى، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولما رجع
موسى أنكر عليهم وعاتب أخاه، ثم حاور السامري في
هذا الأمر، وقال له: اذهب فإن لك في الحياة أن
تقول لا مساس، أي: لا أحد يقترب منك ولا تقترب من
أحد، ثم أمر الله بني إسرائيل بالتوبة إليه، وبعد
ذلك ذكر الله تعالى ما سيكون في الأرض من دمار
شامل عند قيام الساعة، فإذا قامت الساعة جازى الله
المحسنين بإحسانهم والمسيئين بإساءتهم، ولا يظلم
ربك أحداً. |
|
|
|
الحمد الله الذي
بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله
إلا الله رب الأرض والسماوات وأشهد أن
سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أتم
الله به النبوة وختم الله به الرسالة،
صلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى
آله وأصاحبه وعلى سائر من اقتفى أثره
واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فما زلنا -معشر الأحبة- في
تفسير قول الله جل وعلا في سورة طه:
فَرَجَعَ
مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ
أَسِفًا
[طه:86]
. وهذا الخبر مفرح على ما قبله، وهو
أن موسى عليه الصلاة والسلام أخبره
الله جل وعلا وهو عند جبل الطور بأن
قومه قد فتنوا من بعده، وأنهم عبدوا
العجل بناءً على أمر أو إشارة أو
دلالة من
السامري ، وحتى يكون المنهج
واضحاً فإن بعض الآيات في القرآن يحسن
ذكر إجمالها، والإنسان إذا فقه مجمل
القضية يستطيع بعد ذلك أن يفك ألفاظ
القرآن. وعلى هذا فقول الله جل وعلا:
فَرَجَعَ
مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ
أَسِفًا
[طه:86]
إلى قوله تبارك وتعالى:
إِنَّمَا
إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ
إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ
عِلْمًا
[طه:98]
إنما هو حدث تاريخي جملته عبادة بني
إسرائيل للعجل، وسوف يمر معنا قوله
تعالى:
يَبْنَؤُمَّ
لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا
بِرَأْسِي
[طه:94]،
على لسان هارون، وقول
السامري : (بصرت بما لم يبصروا
به) وغير ذلك، ولذلك إذا كان الإنسان
لم يفقه القضية أصلاً والقصة جملة فلن
يستطيع أن يفهمها كحروف حتى يستوعب
القضية أياً كانت. لذلك سأسرد القصة
مستغنياً بها عن قضية فك الآيات آية
آية، إنما على إيحاء القرآن من القرآن
نفسه نأخذ القصة، ونحاول أن نستعين
ببعض المعطيات التاريخية قدر الإمكان،
مع التحرز عن أن الغيب لا يدرك
بالعقل، فما سكت الله عنه غيباً لا
نستطيع أن نقتحمه نحن بتأويلاتنا
العقلية، فهذا أمر يجب التحرز
منه....... |
|
 |
|
|
|
أعلى الصفحة
|
|
 |
|
|
|
موضع
الشاهد: أن هذا الأمر حدث على
مرأى من عيني هارون، وموسى
إلى الآن غير موجود، فلما
رآهم هارون ازدحم في ذهنه
أمران: الأمر الأول: أنه كان
بإمكانه عليه السلام أن ينكر
عليهم إنكاراً ينجم عنه أن
يأخذ الفرقة التي لم تؤمن
بالعجل فيذهب ويتبع موسى،
وهذا غلب على ظن هارون أنه لو
فعله لتشتت بنو إسرائيل
الباقون وتفرقوا، فإذا عاد
موسى لا يجد طريقاً لجمعهم
حتى يردهم إلى الحق. الأمر
الثاني: أن يبقى الأمر على ما
هو عليه وينكر عليهم بقوة،
ويحاول أن يأخذ ويعطي معهم
حتى يأتي موسى فيبين لهم؛ لأن
السامري اتكأ على غياب
موسى، فإذا جاء موسى لم يبق
للسامري حجة .. هذا الذي
أراده هارون فيما أفهمه أنا
من القرآن، وإن لم يصرح به
أحد. لكنه لما حصل هذا أنكر
عليهم موسى، وقد أنكر عليهم
هارون، وقد برأ الله جل وعلا
بنص كتابه ساحة هارون قال
الله جل وعلا:
وَلَقَدْ
قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ
قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا
فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ
رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ
فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا
أَمْرِي
[طه:90]،
فبدأ بالتخلية وهو ((
إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ ))،
ودعا إلى التوحيد (( وَإِنَّ
رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ ))
ودعا إلى الرسالة ((
فَاتَّبِعُونِي ))، ودعا إلى
الشريعة كلها عليه الصلاة
والسلام. |
|
|
أعلى الصفحة
|
|
 |
|
|
|
أعلى الصفحة
|
|
 |
|
|
|
أعلى الصفحة
|
|
|
|
|
ثمة فوائد يجب
استنباطها من هذا الحدث التاريخي الذي
مر به بنو إسرائيل: أولها وأعظمها: أن
الله إذا أراد ضلالة أحد غشي على بصره
وحرمه من استعمال عقله، وإلا فإنه من
المحال أن يقال: إن قوماً ينجيهم
الله، ويرون البحر يبساً، وتمشي
أقدامهم عليه، ثم بعد هذا كله يأتون
إلى عجل له خوار يعبدونه من دون الله،
هذا من أعظم الدلائل على أن المسألة
لا ترجع إلى العقل، وإنما هي هداية من
الله ونور يضعه الله جل وعلا في قلب
من يشاء. الأمر الثاني: أن الناس
الذين ينصر الله بهم دينه تختلف
مشاربهم وقدراتهم، فموسى فيه الغضب
والحدة، وقد نفعت الدين نفعاً عظيماً،
وهارون عليه السلام كان فيه شيء من
اللين والرفق، وقد نفعت الدين نفعاً
عظيماً، كما كان في
الفاروق و
الصديق رضي الله تعالى عنهما، فإن
الصديق كان فيه لين، والفاروق
كان فيه شدة، ولما كان
الصديق رضي الله عنه يستشير الناس
في أمر
الفاروق وكانوا يخشون من شدته
فكان يقول لهم: إن الذي دفعه إلى هذا
أنه يجد في ليناً في ذات الله.
والمقصود: عندما تحاكم شخصين فلا تنظر
من هذه الزاوية الضيقة فتقول: إن
فلاناً قوي في ذات الله جبار، وتتهم
الآخر بالضعف، لكن الدين ينصر بالشخص
الضعيف كما ينصر بالشخص القوي،
وأحياناً نحتاج إلى الحدة والغضب،
وأحياناً نحتاج إلى الحلم واللين،
وأحياناً نحتاج إلى دعاء ذلك الرجل
العاجز، وأحياناً نحتاج إلى حلم
الحليم، وأحياناً نحتاج إلى استنباط
الفقيه، فالدين من حيث الجملة ينصره
الله جل وعلا بهؤلاء كلهم، كما نصر
الله دينه بنبييه موسى وهارون رغم
اختلاف شخصيتهما اختلافاً كثيراً.
الأمر الثالث: وهذا مر معنا عرضاً: أن
الإنسان لا يحاول أن يصادم أصحاب
الرئاسات، وأن المركب الواحد لا يحتمل
أكثر من قائد، ولا بد للعاقل أن
يتغاضى عن أمور إذا أراد للمركب أن
تسير، لكن الإلحاح على المطالب
والإصرار على الزعامة، والتنافس في
الدنيا، هذا هو الذي يذهب المركب
الإسلامي ويجعله عرضة للغرق. لكن من
جعل الله جل وعلا بغيته ورضوان الله
جل وعلا غايته، هان عليه كل ذلك في
سبيل إعلاء دين الرب تبارك وتعالى،
لكنه كذلك ينبغي أن يعلم أن دين الله
جل وعلا أجل وأعظم من أن يتخذ غرضاً
للدنيا. الأمر الرابع: أن الذنوب
والخطايا التي تكون للعبد -ولا بد
منها- يجب أن توظف توظيفاً صحيحاً،
فلا يأتينك أحد ينتهز فيك ماضيك وبعض
خطاياك فيوظفك فيما يشاء وما يبتغي
وما يريد من باب أن ذلك كفارة لما قد
عملت، وإنما الإنسان يعلم أن الذنوب
والمعاصي ليس لها إلا التوبة، وقد مر
معنا قوله تعالى:
وَإِنِّي
لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ
وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى
[طه:82].
هذا جملة ما يمكن أن يقال عن قصة موسى
مع
السامري ، وعبادة العجل من أعظم
ما اقترفه بني إسرائيل، ولهذا أمرهم
الله جل وعلا بالتوبة، وجعل توبتهم أن
اقتلوا أنفسكم....... |
|
|
|
|
|
|
|