|
#1
|
|||
|
|||
|
محاضرة وقفات مع آيات
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أراد ما العباد فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله بلغ عن الله رسالاته ونصح له في برياته، فجزاه الله بأفضل ما جزاء به نبياً عن أمته صلى الله وملائكته والصالحون من خلقه عليه كما وحد الله وعرف به ودعا إليه ، اللهم وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى آثره واتبع هديه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد.. أيها المباركون فهذه وقفات مع آيات من كلام ربنا جل وعلا نتلمس فيها معارف القرآن وعظاته، نسأل الله أن يزيدنا بها إيماناً ويقينا، آيات من سورة البقرة وآل عمران والفرقان وياسين ونختم بآيات من سورة المزمل. أما الآية الأولى فإن الله جل وعلا يقول: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ{253}) [سورة البقرة] والحديث عن هذه الآيات، أو هذه الآية الكريمة من سورة البقرة له وجوه عدة، أولها: أن يُعلم أن النبوة والرسالة ليست مما يطلب كسبا ولكنها فضلٌ محض يفيء الله به على من يشاء من عباده، فضل محض لا يطلب بدعاء ولا بإلحاح ولا بعمل صالح يقول ربنا جل وعلا: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [سورة الأنعام/124] وقد قيل: ولم تكن نبوة مكتسبة *** ولو رقى في الخير أعلى عقبه وإنما هي فضل محض من رب العالمين جل جلاله، فما من نبي آتاه الله مقاما النبوة وأكرمه الله بالرسالة طلب هذا من ربه أو رغِب إلى ربه بهذا الأمر والمقام الكريم، لكن الله جل وعلا خلق قلوب العباد وهو جل وعلا أعلم أيهم يصلُح بأن يكون نبياً رسولاً، قال ربنا هنا (تِلْكَ الرُّسُلُ) فجاء باللام وهي لام البعد حتى يقترن ذلك مع علو مكانتهم ورفيع درجاتهم عليهم السلام جميعاً بلا استثناء، قال ربنا (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) مجمل كلام أهل العلم ممكن أن يُقال عنه: أن مقام النبوة في أصله لا تفاضل فيه، لكنه بعد ذلك يفيء الله جل وعلا على بعض أنبياءه بما لم يفيئه على غيرهم، فآتى الله جل وعلا موسى مقام التكليم، وآتى إبراهيم الخلة ، وآتى نبينا صلى الله عليه وسلم الخلة والمقام المحمود وهكذا في غيرهم من الأنبياء كلاً بحسب ما أفاء الله جل وعلا عليه وهؤلاء الرسل يقول أهل العلم أنه لابد أن يكونوا رجالاً في ظاهر القرآن. وما كانت نبياً قط أنثى * * * ولا عبداً قبيحاً في الفعال وهؤلاء الرسل أمر الله جل وعلا في كتابه العظيم بإتباع هديهم بعد أن ذكرهم في الأنعام (في تلك حجتنا قال جل وعلا: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) [سورة الأنعام/83] ثم ذكرهم ثمانية عشر نبياً ورسولاً ثم قال جل وعلا بعدها: [أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ َ] [سورة الأنعام/90] ولم يأت الاستثناء عن إتباع هديهم إلا في حالة واحدةً قال الله جل وعلا: [وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ] [سورة القلم/48] لكن قول الله جل وعلا (إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) هذا قيد لأنه وصف لحالة يونس، فيونس يُتبع على كل حال إلا حالة كونه خارجاً مغاضباً من قومه هذه لا يقتدي فيها، أما غير ذلك فيقتدي به صلوات الله وسلامه عليه، قال الله جل وعلا هنا (ِتلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ)فمن هنا بعضيه أي ليس الجميع كلم الله ، وإذا أطلق مقام التكليم ينصرف إلى الكليم موسى عليه السلام وقد كلم الله جل وعلا موسى مرتين الأولى على غير ميعاد والأخرى بميعاد لكنهما جميعاً كان عند جبل الطور فالأولى عند منقلبه من أرض مدين إلى أرض مصر والثانية عندما وعده ربه بعد أن كان بنو إسرائيل في أرض التيه قال الله جل وعلا: (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) [سورة البقرة/51] وقال الله جل وعلا (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا) [سورة الأعراف/143]أي كان يعلم أن هناك وعداً وميعاداً آتاه الله جل وعلا إياه كلمه عنده رب العزة والجلال تبارك اسمه وجل ثناؤه ولا ريب أن مقام التكليم من أعظم المقامات ذلك أن الله عندما يتفضل على أحدٍ من خلقه، على عبدٍ من عباده فيكلمه جل وعلا من غير واسطة وهذا العبد يسمع كلام الله جل وعلا حقيقةً فلا ريب أن هذا العبد قد نال حظوةً عظيمة قال عنها العلماء: "معقلُ منيف ومنزلٌ شريف ومؤول كريم" ، وحتى لا يلتفت الناس إلى المجاز أو إلى أن الأمر كنايةً جاء مؤكداً والعرب إذا أكدت بالمفعول المطلق تخرج الأمر إلى حقيقته لا ريبة فيه. قال ربنا (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [سورة النساء/164]فقول الله جل وعلا (تَكْلِيمًا) ينفي أن يكون المراد من الآية المجاز وإنما الأصل على حقيقته كلم الله جل وعلا تكليما. والله جل وعلا في وحيه إلى أنبياءه يكون الوحي على مراتب أرفعها وأجلها مقام التكليم وهو أن يكلم الله عبده من غير واسطة، وأقلها درجة مقام الرؤيا، ومقام الرؤيا هو الذي لم يرفع ولهذا جاء في الحديث: (الرؤيا الصالحة جزءٌ من ستة وأربعين جزء من النبوة يراها العبد المؤمن أو تُرى له) فهذا من مقام الوحي لكنه جزئية كما أرشد نبينا صلوات الله وسلامه عليه (مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ) أي بعض الأنبياء (دَرَجَاتٍ) ثم قال الله: (وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ) وعيسى ابن مريم أحدُ أولي العزم من الرسل عليهم السلام جميعاً، ومن أعظم البينات التي آتاه الله جل وعلا إياها أنه كان يحي الموتى بإذن الله ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله قال ربنا: (وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ) ظاهر القرآن على أنه جبريل لأنه إذا أطلق روح القدس في القرآن ينصرف إلى جبريل قال ربنا (وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ) هذا كله في الحديث عن أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليه، الحديث عنهم يطول لكن قلنا أن الدرس درس علمي سنتحدث إجمالاً، هؤلاء الأنبياء أطنبنا في أنهم لا يطلبون النبوة بدعاء، لكن مما يتعلق بهم أن الله جل وعلا يحفظهم قبل النبوة حتى لا تقوم الحجة عليهم بعد النبوة، والله جل وعلا يقول عن نبيه: (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [سورة يونس/16]أي عرفتموني وخبرتموني قبل أن أنبأ، ولما سأل هرقل أبا سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أجربتم عليه كذباً؟ قال: لا، قال ما كان ليكذب ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله، فجعل هذا الخبر والجواب من أبي سفيان دلالةً على صدق رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم والله جل وعلا قال عن قوم ثمود أنهم قالوا لصالح (قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـذَا) [سورة هود/62]فما كنت الأمم تشك أبداً في خُلق الأنبياء قبل أن ينبوا حتى لا تقوم الحجة على أنبياء الله ورسله، فحفظهم الله جل وعلا قبل النبوة وبعد النبوة ليُتم الله على الناس النعمة (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [سورة النساء/165]مما يتعلق بحياة الأنبياء أن الله جل وعلا سلط الأرض على أجساد بني آدم سلط الأرض على أجساد بني آدم، (كل جسد بني آدم يبلى إلا عُجب الذنب) يقول عليه الصلاة والسلام، لكن أجساد الأنبياء حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم [ قال الصحابةُ لنبينا: يا رسول الله كيف نصلي عليك وقد أرِّمت؟ أو كيف تبلغك صلاتنا وقد أرمت؟ قال: أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء] وهذا مما خص الله جل وعلا به أنبياءه ورسله، إذا عدنا إلى مقام الفضل فالله جل وعلا الخلق خلقه والملك ملكه والأمر أمره يقدم من يشاء بفضله ويؤخر من يشاء بعدله، ولا يسأله مخلوق عن علة فعله ولا يعترض عليه ذو عقل بعقله، فهؤلاء الأنبياء كما اتفقوا في مقام النبوة فإن أولي العزم منهم أرفعهم درجة والله قال في خاتمة الاحقاف: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [سورة الأحقاف/35] فقول الله جل وعلا (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) فإن من هنا إما أن تكون بعضيه وإما تكون بيانية، قال بعض أهل العلم إنها بيانية فإن قلنا: أنها بيانية فلا حجة فيها، وإن قلنا أنها بعضية وهو قول الجمهور فالحجة فيها أنه ليس جميع أنبياء الله ورسوله ليسوا جميعاً من أولي العزم، فيبقى من هم أولوا العزم؟ هذه فيها خلاف لكن الأكثرين من أهل العلم على أن أولي العزم خمسة ذكرهم الله جل وعلا في سورتي الأحزاب والشورى قال: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [سورة الأحزاب/7]وقال في الشورى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [سورة الشورى/13]فنجم عن هذا أن هؤلاء الخمسة هم أولوا العزم من الرسل يجمعهم قول الناظم: أولو العزم نوح والخليل الممجد * * * عيسى وموسى والحبيب محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين،مما يتعلق بالأنبياء أنهم يبعثون كما يبعث الناس يوم القيامة بعد أن قبضوا ويموتون كما يموت الناس [إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ] [سورة الزمر/30] (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ) [سورة الأنبياء/34] فيبعثون ويحشرون، لكن الناس إذا مروا على الصراط يكون الأنبياء عليهم السلام على جانبي الصراط دعائهم يومئذ: "اللهم سلم سلم" وكفى بهذا دليلاً وبرهاناً على أي هول ينتظر الناس إذا قاموا ليوم القيامة، وأشد منه دلالة وأعظم برهانا أن أنبياء الله ورسله من أولوا العزم ومعهم آدم عليه السلام إذا جاءهم الناس يطلبون منهم الشفاعة يوم القيامة يكون جواب كلُ نبي: نفسي نفسي ويدلهم على غيره إلا رسولنا صلى الله عليه وسلم فيقول أنا لها، فهذا ينبئك عن عظيم ما ينتظر الإنسان بعد وفاته، ولهذا نُقل عن سهل بن عبد الله التستري رحمه الله أنه قال: لا يتمنى الموت إلا رجل واحد من ثلاث، لا يتمنى الموت ويسعى إليه إلا رجل واحدٌ من ثلاث، رجلٌ لا يدري أهوال ما بعد الموت، ورجلٌ يريد أن يفر من قدر الله ، ورجلٌ أصابته ضائقة أصابته محنة يريد أن يفر من قدر الله، ورجل أشتاق إلى لقاء الله فجعلها في ظنه محصورة في هؤلاء، محصورة في هؤلاء الثلاث، قال الله جل وعلا: [ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ] أنزل الله وحي السماء علماً فمنهم من قبله ومنهم من لم يقبله فنجم أن يكون هناك اختلاف وتصادم بين من قبل وحي الله ومن لم يقبل وحي الله وقد قال ربنا جل وعلا: (وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) والذي ينبغي أن يُعلم أن الله جل وعلا منزه عن العبث وما خلق خلقه جل وعلا إلا لحكمة وهذا الذي يقع بين الناس من الاختلاف والاقتتال أراده الله بقدره بحكمة علمنا بعضها أو كلها أو جزءاً منها أو جهلناها كليةً لا يقدم في الأمر ولا يؤخر، لكننا على يقين أن رب العالمين منزه جل وعلا عن العبث وأنه تبارك وتعالى يحكم ما يشاء قال ربنا في خاتمة المؤمنون: [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون(115)فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ ] [سورة المؤمنون/116]هذه الوقفة الأولى مع قول الله جل وعلا: (تِلْكَ الرُّسُلُ) |
|
#2
|
|||
|
|||
|
الوقفة الثانية مع قول الله تبارك وتعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ(96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا) [سورة آل عمران/97]والآية ظاهرة المعنى أما وجه الربط بين الآية وما قبلها فإن الله قال قبلها: (قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [سورة آل عمران/95]فلما ذكر الله إمام الحنفاء من نُسبت الملة إليه ذكر الله جل وعلا البيت الذي جعله الله جل وعلا المعقل الأعظم للتوحيد، فقال ربنا: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ) أي وضع للعبادة لا للسكنى بقرينة (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ) [سورة آل عمران/97] (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ) أي وضع للعبادة لا للسكنى بقرينة (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ) (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) إذا قلنا بكة والأشهر من أقوال العلماء على ما نرتضيه أن معنى بكة الموضع الذي عليه الكعبة، وأما مكة فهو اسمٌ للحرم كله، مكة اسم للحرم كله ، أما بكة هي موضعٌ للبقعة التي عليها الكعبة، قال ربنا: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) ولمن له عناية بالنحو فإن قول الله جل وعلا (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) وصف لصفة محذوفة والتقدير: أن أول بيت وضع للناس للبيت الذي ببكة فتصبح الذي اسم موصول لموصوف محذوف وتقديره: للبيت الذي ببكة قال ربنا(مُبَارَكًا) ولا ريب أن البيت مبارك وأعظم دلائل بركته أن الله كتب أن من يأتيه يحجه يؤمه يريد بذلك وجه الله قال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام: (من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) وهذا من أعظم دلائل أن هذا البيت مبارك، أن الله جل وعلا تكفل بمن آتى هذا البيت يريد بذلك وجه الله ولم يقع منه رفث و لا فسوق أنه يعود من ذنوبه كيوم ولدته أمه قال الله : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) ومقام إبراهيم صخرة ارتقى عليها الخليل عليه السلام لما اعتلى وارتفع البناء فبقيت آثارُ قدميه في الأرض، وقد قلنا مراراً في دروس عدة أن أعظم ما يستنبط من هذا أن إبراهيم لما ألآن قلبه لله ألآن الله جل وعلا الصخرة تحت قدميه، وقد كان هذا ذائعاً مشاعاً معروفا قال أبو طالب:
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبةً * * * على قدميه حافياً غير ناعلٍ كانت آثار قدمي إبراهيم ظاهرة وهي إلى اليوم لكن مع أن الناس عبر التاريخ كله كانوا يتمسحون بها دفع ذلك إلى أن تذهب كثيراً من معالمها، حتى كان عام أربعة وثمانين للهجرة من أعصرنا هذه كان عليها قبة كبيرة تعيق الطائفيين، فصدر عن رابطة العالم الإسلامي عن علماء الأمة قرار: أن تهدم القبة وأن يبقى المقام مكانة كما هو الآن، وأن تُصغر يُصغر الغطاء الذي عليه، فالغطاء الذي عليه اليوم إنما أعتمد بقرار من علماء الأمة في أول أيام عهد الملك فيصل غفر الله له ورحمه، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله جل وعلا عنه:( فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) قال ربنا: (وَمَن دَخَلَهُ) أي دخل البيت (كَانَ آمِناً) أيً كانت أقوال العلماء في المسألة فإنه ينبغي أن يقال أن معنى الآية على الصحيح: ومن دخل البيت فأمنّوه فيصبح قول الله جل وعلا (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا) خطاب للأولياء على هيئة خبر لا على هيئة إنشاء،والمعنى يا أولياء البيت يا من جعل الله لكم سلطاناً على الحرم من دخل البيت فأمنوه، والأمة عرفت فتنة القرامطة وهم فرقة باطنية كانت لهم دولة في شرق بلادنا الآن، ثم أن رجلاً منهم يقال له أبو طاهر القرمطي آتى البيت في يوم التروية عام تسعة عشر وثلاث مئة للهجرة أو عام سبعة عشر فؤجى الحجاج به وهو عند الكعبة مع جيشه فأخذ يقتل في الحجاج ويسفك في الدماء ويقول عياذاً بالله: أنا الله والله أنا، أخلق الخلق وأفنيهم أنا، ثم يأتي ويرمي في بئر زمزم وهو على خيله يقول: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ من أراد أن يعرف حلم الله فليتأمل مثل هذا الموقف، لكن يأتي هنا إشكال علمي وهو أن الإنسان قد يُسأل كيف صد الله أبرهة؟ ولم يصد أبا طاهر القرمطي؟ والجواب عن هذا: أن الله صد أبرهة ليعرف الناسُ مقام البيت لأنه محال أن يكون الله قد صد أبرهة إجلالاً لقريش، لان أبرهةً كان نصرانياً وقريش يوم داهمهم أبرهة كانوا وثنيين والنصارى على أسوى أحوالهم أولى وأفضل من الوثنيين، فلم يكن صد أبرهة إكراماً لقريش لسكان الحرم، وإنما كان إكراماً للبيت وإرهاصاً لمولد رسولنا صلى الله عليه وسلم، إذ بين مولده عليه الصلاة والسلام وما بين صد أبرهة قرابة خمسة وخمسين يوماً لأنه كان عليه الصلاة والسلام يومها في أول الشهر الثامن من حمله من حمل أمه به، فصدهم الله جل وعلا فعرف الناس مقام البيت، أما أبو طاهر فقد غزى البيت وقلع الحجر الأسود وحمله معه إلى البحرين، لكن مهابة البيت كانت قد استقرت في القلوب وعرفها البر والفاجر والمؤمن والكافر فلن يغير صنيعه هذا من معرفة الناس بأن البيت والحجر له مقام عظيم وشأن كريم كما يدل عليه حال الناس بعده، لكن هذه أقدار تجري بأمر الواحد القهار يراها المؤمن بعين الهدى والبصيرة والناس في هذا مذاهب شتى لكن كما قال الله (فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) [سورة البقرة/213] قال الله جل وعلا: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا) لما أخذ أبو طاهر يقتل في الحجاج جاء رجل من جنده إلى أحد الحجاج فرفع السيف عليه وقال: أين قول الله (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا) قال: يا ابن أخي إن الله يقول من دخل البيت فآمنوه أنتم الذين فرطتم لا نحن فقتلوه وجاءوا رجل كما قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية من أهل الحديث أعملوا فيه السيف وهو يطوف فأخذ من فرحته أنه يلقى الله وهو طائف قال: ترى المحبين صرعى في ديارهم * * * كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا وذكر الناس عن البيت وهذا استطراد آخر: أن رجلاً كان يترقب ساعة من ليل أو نهار يخلو فيها البيت من الطائفيين، يريد أن يشرُف بأن يطوف حول البيت وحده، حتى إذا صبر أياماً وليال وشهورا خلا البيت خلا المسجد فلما همّ بالطواف إذا بحية تشاركه الطواف تمشي معه، فقال ما هذا؟ قالت: وأنا أنتظر هذه اللحظة من كذا سنة ويظهر أنها من مؤمني الجن ينتظر هذه اللحظة، القصة تذكر للاستئناس لا للاعتماد حتى لا يأتي أحد ويظنها أصل هذا فرق،لكن منها ومن غيرها يستنبط المؤمن أن العاقل يعلم كل من ظن أنه أتى لله بعملٍ لم يسبقه إليه أحد فهو مغلوب، مهما صنعت من طاعة فلله عبدٌ قد صنعها أعظم منك، وأحياناً يؤدب الله أولياءه فإذا ظنوا أنهم بلغوا يأتيهم من الله ما يدلهم على أن الكثير قد سبقهم إلى هذه الطاعة. والإنسان لا يدري عمن يسابقه وينافسه في السير إلى الله، لكن من المهم جداً أن يتحلى الإنسان بثوب الانكسار وهو يتعبد ربه الواحد القهار، هذا أعظم وأشرف ما يمكن أن يؤتيه الله جل وعلا عبد وهو يريد أن يسابق إلى ربه وإلى رضا مولاه جل جلاله قال ربنا: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا) (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ) [سورة آل عمران/97] فتحرر من هذا عظمة هذا البيت المبارك الذي جعله الله جل وعلا مثابة للناس وآمنا، وقد قال أهل العلم رحمهم الله ممن لهم عناية بالتاريخ أن الخليل إبراهيم أظلت البيت سحابة قبل أن يبنيه فبنى البيت على قدر ظل السحابة، وقيل أن ريحاً كنست موضع البيت فعرف موضعه فبناه وأيً كان الأمر فإن الله جل وعلا يقول: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)ويقول الله جل وعلا: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ) [سورة الحج/26] أي أرشدنا لإبراهيم إلى مكان البيت |
|
#3
|
|||
|
|||
|
الآية الثالثة قال الله جل وعلا في سورة الفرقان (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا المَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً (22) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً (23) أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا(24)سورة الفرقان)أعظم ما أمتن الله به على المؤمنين أنهم يرجون لقاء الله، وأعظم ما خذل الله به من لا يؤمن به أنه لا يرجو لقاء الله، وعقلاً من لا يرجو لقاء الله لا يمكن أن يعمل عملا لأنه لا يؤمن أنه سيلقى الله فيثيبه على العمل، أما من يرجو لقاء الله فتراه يسابق في العمل لأنه على يقين أنه سيلقى الله فيثيبه الله على ذلك العمل قال ربنا هنا يتكلم عن أهل الكفر قال: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ) ما قال وقال الذين كفروا، لأنه لا كفر أعظم من أن العبد لا يرجو لقاء الله، وما معنى الرجاء في اللغة؟ توقع حالٍ على مسره توقع حال على مسره فهم لا يرجون ولا يأمنون ولا يرغبون ولا يؤمنون قطعاً أنهم سيلاقوا الله مع أن الله خَّوف خلقه بقوله: [إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى] [سورة العلق/8]وخُوف عباده بقوله: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) [سورة البقرة/281] قال ربنا هنا : (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) أورثهم هذا كبراً عتواً عناداً لولا أنزل علينا الملائكة أي هذا النبي وهذا الرسول ليس كفئاً لنا أو نرى ربنا وهذا تعالي في الكفر فرد ربنا جل وعلا عليهم بقوله (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) فهذه القلوب عياذاً بالله جبلت على الكبر طبعت على العناد فطرت على الشقوة فكان منهم هذا القول قول ربنا (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا) قال ربنا يوم - هم الآن طلبوا لقاء الملائكة- فقال الله (يَوْمَ يَرَوْنَ المَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ)وهؤلاء المجرمون سيرون الملائكة يوم يموتون، لأن الميت يرى الملائكة قبل أن تقبض روحه، وبحسب حال الملك وهو يريد أن يقبض الروح يؤثر هذا في وجه الميت، ولهذا قال الله (يَوْمَ يَرَوْنَ المَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ)لان الملائكة لن تنزع تلك الأرواح نزعاً رفيقاً رقيقاً (يَوْمَ يَرَوْنَ المَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ) أي أهل الكفر(حِجْرًا مَحْجُورًا) الحجر المنع ويسمى العقل حجراً لأنه يمنع صاحبه من ما لا يليق قال الله جل وعلا في سورة الفجر: (وَالْفَجْرِ{1} وَلَيَالٍ عَشْرٍ{2} وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ{3} وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ{4} هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ{5}) أي لذي عقول، تمنعهم عقولهم من أن يأتي ما لا يليق، فقال ربنا هنا أن أهل الكفر هؤلاء يقولون أن هذه الأمور ممتنعة لا يمكن أن تقع (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) قال أصدق القائلين (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ) وهؤلاء وإن كانوا كفر إلا أنهم كانوا ينافسون في إغاثة الملهوف وصنائع المعروف وإكرام الضيف على ما كان منهم فقال جل وعلا: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) والهباء ذلكم الغبار الذي يتصل بالشمس فيجعله الله جل وعلا يجعل تلك الأعمال هباء منثورا، وقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلاً في الجاهلية اسمه عبدالله ابن جدعان كان يطعم الحجيج [قالت: هل ينفعه عمله ذاك؟قال: يا عائشة أنه لم يقل يوماً من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين] قال ربنا هنا(وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) ثم قال: (أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) المقارنة هنا بين أهل الجنة وأهل النار لكن ليس في النار خير بالاتفاق، فيصبح ما معنى الآية؟ تحتمل الآية من حيث الصناعة العلمية وجهان: الوجه الأول: أن تكون كلمة خير هنا من سبيل من باب التهكم بهم فيصبح أن خير هنا ليست على بابها تصبح أفعال التفضيل هنا ليس على بابه، الحالة الثانية: أن تكون على بابها فيصبح حال المؤمنين فقراء المؤمنين في الجنة خير من حال الكفار في الدنيا وإذا قلنا بهذا الرأي تصبح كلمة خير على بابها وكلمة خير هي في الأصل أخير كما أن شر أصلها أشر لأن كثرة الاستعمال حذفت الهمزة من الكلمتين قال الله جل وعلا: (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا )ثم قال ربنا: (وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) القيلولة الراحة نصف النهار وإن لم يخالطها نوم عند اشتداد الحر، القيلولة الراحة في منتصف النهار لا يخالطها نوم عند اشتداد الحر قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (لا يأتي من نهار يوم القيامة إلا وقد أقال أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار) هذا معنى قول الله جل وعلا على هذا المنحى في التفسير(خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) لأننا إن قلنا بهذا في تعريف القيلولة نعلم يقيناً أن الجنة لا نوم فيها ولو فسرت القيلولة بأنها راحة يصحبها نوم لنتفى هذا مع قول الله جل وعلا(وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) لأن الجنة كما في الخبر الصحيح لا نوم فيها، قال علية الصلاة والسلام: (النوم أخو الموت والجنة لا نوم فيها) وهذا مما أفاءه الله جل وعلا على عباده، من هذه الآيات الأربع المتتابعات يفقه المؤمن أن الإنسان يعلمُ يقيناً أنه سيلقى الله فعندما نتكلم أو نفعل نحن نملي على الملكين والملكان يرفعانه إلى الله فأنظر في قولك وشأنك كله على من تملي وإلى من يُرفع قولك وعملك، والعاقل يرجو الله رجاءً لا يجرئه على معصيته ويخاف الله خوفاً لا يجعله يائساً من رحمته من أدرك هذا فقه الدين، العاقل يرجو الله رجاءً لا يجرئه على معصيته ويخاف الله خوفاً لا يدفعه إلى أن ييئس من روح الله فإن كان رجاءك في الله لا يجرئك على المعصية وخوفك من الله لا يبعث اليأس في قلبك فقد فقهت عن الله جل وعلا مراده.
|
|
#4
|
|||
|
|||
|
الآية الرابعة قال الله جل وعلا في سورة يس: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(12)}هذه من الآيات التي أثنى الله جل وعلا بها على نفسه، والله جل وعلا لا أحد أحب إليه المدح منه ولهذا مدح نفسه، ومما تمدّح الله به قدرته على إحياء الموتى لما ذكر الغيث قال: (فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى) [سورة الروم/50]وقال: (أَفَعَيِينَا بِالخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ(15)} [سورة ق] وقال جل وعلا: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى(55)} [سورة طه]هنا يقول ربنا مثنياً على ذاته العليا (إِنَّا نَحْنُ) ويمكن لبعض أهل الدنيا أن يستعمل هذا الضمير فيقول الملك يقول الأمير يقول الثري: نحن أردنا هذا، نحن فعلنا هذا لكنها في أعظم أحوالها عند المخلوقين لا تبلغ شيءً عند ثناء الله جل وعلا على ذاته العليا،( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى) وإحياء الموتى مما أنكره كفار مكة الأوائل، ولهذا جاء كثيراً في القرآن إثباته لأن المقصود الأول في مخاطبة القرآن كان الكفار الأوائل من كفار مكة، قال الله جل وعلا: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى)ثم قال: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ) أما نكتب ما قدموا فهذه ظاهرة أي نكتب أعمالهم، (وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ(80)} [سورة الزخرف]وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم لكن الإشكال في قول الله جل وعلا: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ)ما المراد بقول الله جل وعلا(وَآَثَارَهُمْ)؟ وبعض أهل العلم من المفسرين من السلف والخلف: ذهب إلى أن المراد توابع أعمالهم مما سنوه من أعمال صالحة فتبعها الناس عليهم أو من أعمال سيئة فتبعها غيرهم عليه، وذهب فريق من أهل العلم وهذا ما أراه راجحاً والعلم عند الله المراد آثار الخطى، ويدل عليه أن رجلٌ من الأنصار كان أبعد الناس بيتاً عن المسجد فقال له: من ينصحه ويرشده لو اتخذت حماراً تركب عليه إلى المسجد يقيك البرد والحر قال: والله ما يسرني أن يكون بيتي بجوار المسجد وإني لأحتسب عند الله غدوتي وروحتي فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلوات الله وسلامه عليه [قد كتب الله له ذلك كله]،وينجم من هذا معرفة تعين العبد على الطاعة، وهو أن الله جل وعلا جعل الرياح تعفوالأشياء تبُدل ومع ذلك قد تأتي الرياح وتعفو على آثار قدميك وأنت ذاهبٌ إلى المسجد فلو عدت بعد صلاتك تبحث عن آثارك لما وجدتها، لكن الرياح على عظيم سلطانها لا تستطيع أن تمحو ما كتبه الملكان عنك إلى رب العزة والجلالة، فأنت تمشي تسير بخطاك إلى بيت فيه فقراء إلى والدة تريد أن تدخل السرور عليها، إلى صلاة فجر سمعت المؤذن والشاشة أمامك تغريك والهاتف بجوارك يناديك وصاحبك ينتظر منك موعداً وأخريات من فتن الدنيا، فتجعل هذا برحمة الله وفضله كله وراء ظهرك ثم تخطو بقدميك إلى بيت من بيوت الله تردد مع المؤذن آذانه، وتدخل بيتاً من بيوت الله. فإن كان ذاك اليوم يوم ريح فجاءت الرياح تمحو آثار قدميك فإنها تعجز والله أن تمحو ما كتبه الملك عنك، ويُرفع ما كتبه الملك عنك إلى رب العالمين، فإذا لقيت الله جل وعلا وجدت ما كتبه الملك عنك، هنا قال الله جل وعلا أخبر أن هؤلاء إذا لقوا الله يشعرون بأعظم سعادة وأجل مبتغى، هي بالعقل من لم يفرح حين يلقى الله سواءً بالعقل من لم يفرح حين يلقى الله متى يفرح؟! محال أن يفرح!! لأنه إذا لم يفرح وهو يلقى أرحم الراحمين فلن يفرح وهو يلقى غيره، وإذا لم يجد الرحمة عند الله عند من سيجده، وإذا لم يجد العفو عند الله عند من سيجده؟! وإن لم يجد الأمن عند الله عند من سيجده؟!! فأكثر ما ينبغي للعاقل أن يحاسب به نفسه أن يدخر له عند الله وديعة يلقاها يوم يلقى الله، يدخرها ليومٍ يلقى الله جل وعلا فيه فليست الوفادة على الله بالأمر الهين(يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)} [سورة الانشقاق]وهذا يجتمع فيه بنو آدم كلهم برهم وفاجرهم لكن كما قلنا أن الإنسان يعلم تقصيره وضعفه وعجزه
إن تغفر اللهم تغفر جما ** وإي عبد لك ما ألمّ لكن الإنسان إذا رزق الانكسار ورزق الوجل وعدم الإعجاب بعمله وخاف على نفسه أن يختم له بسوء عظم رجاءه في الله وحسن ظنه بربه، كل ذلك يجعله برحمة الله يشعر بالفرح إذا لقي ربه تبارك وتعالى، قال الله جل وعلا هنا: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ)ثم قال: (وَكُلَّ شَيْءٍ) وكل من ألفاظ العموم بالاتفاق (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)إمام مبين أي: أم الكتاب، والقرآن يفسر بعض بعضاً (وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(39)} [سورة الرعد]فالإمام المبين المراد به هنا أم الكتاب الذي كتب الله جل وعلا فيه كل شيء، فلا يمكن أن يقع شيئاً اليوم إلا وقد كتبه الله جل وعلا أصله في أم الكتاب قال ربنا: [وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(59)][سورة الأنعام]هذا الكتاب المبين هو أم الكتاب قال ربنا هنا: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) |
|
#5
|
|||
|
|||
|
الآية الخامسة الأخيرة في هذه الوقفات قول الله جل وعلا: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا(6)} [سورة المزمل]القرآن أعظم كتاب أنزل من السماء ثقيل في أحكامه، ثقيل في وعده، ثقيل في وعيده، وهو ثقيل في الميزان، قال بعض السلف: القرآن ثقيل لا يقدر أن يحمله إلا قلبٌ مؤيد بالتوفيق مزين بالتوحيد. قال ربنا هنا: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ربما كان النبي صلى الله عليه وسلم متكئاً على فخذها أو على بعض أعضائها فينزل عليه الوحي فترى شدة ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنزل الوحي عليه، وجاء رجل إلى أبي عبد الله مالك بن أنس إمام دار هجرة يتبعه،قال: يا أبا عبدالله يا أبا عبدالله ثمة مسألة سهلة ثمة مسألة يسيرة قال: ليس في الدين شيءٌ سهل، إن الله يقول: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) قال ربنا بعدها (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) ناشئة الليل على الصحيح: الصلاة بين منامين ، أي أن الإنسان ينام حين يكتب الله له أن ينام ثم يريد الله به خيراً فيبعثه من نومه فيصلي ثم يعود إلى نومه، وليس الأمر معناه أن هذا محصوراً فيه بمعنى أن الإنسان أن لم يصنع هذا ما قام الليل، لكن هذه أشرف وأحسن أحوال قيام الليل. لأن الله قال: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) إن لم يقدر المرء على هذا ينتقل إلى حالٍ بعده الحال التي بعدها يُعرف ما يعرف الآن بالأذان الأول، والآذان الأول قرابة قبل صلاة الفجر بساعة أو ساعة إلا ربع تقريباً وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم) (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نامكم ويرجع قائمكم) من المحروم؟ من يأتي آذان الفجر الأول وهو لم يكن قد قام لينام، وهو نائمٌ لا يريد أن يقوم، من يؤذن الآذان الأول ولم يكن نائماً ليقوم، أو لم يكن قائماً لينام، فلا هو في من نام في أول الليل ليقوم آخره ولا هو ممن قام آخره ونام أوله، والمقصود من هذا كفى بالقرآن واعظاً، فإذا عدنا إلى قول الله: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) ليست القضية قضية تلاوة وإن كانت التلاوة في الشرف بمكان، ولكن القضية قضية عمل بالقرآن، فالمؤمن الذي له جيران ولو آذوه يبرهم، لأن القرآن ثقيل يدفعه إلى هذا، قال الله جل وعلا: (وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ) [سورة النساء/36]فإذا تلا الآية أحسن إلى جيرانه عملاً بقول الله، وذلك الجار لم يتحمل ثقل القرآن فلم يحسن إلى جاره، وإذا كان مع زوجته أم ولده تذكر قول الله: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ) [سورة النساء/19] فأحسن إلى زوجته وأكرمها ولم يقع منه إهانةً لها، لأن القرآن أمره بهذا وإذا كان له ولد تذكر قول الله جل وعلا: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) [سورة النساء/11]فقام بحق أبناءه على الوجه الأكمل والنحو الأتم، وإذا باع واشترى خاف من أن يخونهم لأن الله يقول: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً(107)} [سورة النساء] فيصبح القرآن حاكماً عليه لا يأتي شيئاً أو يذره إلا بمقدار ما نبه القرآن إليه، فيكون في ذلك إدراكٌ منه لمعنى قول الله جل وعلا: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) وأنت تعلم أنه والله لا يُنسى أحد إلا وله شيء يرغب أن يقع وشيءٌ يحذر ويخاف أن يقع، أي له مرغوب وله مرهوب والله جل وعلا قال عن نبيه: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا(79)} [سورة الإسراء] ونحن متفقون على أنه لا يوجد مطلوب أعظم من ماذا؟ أعظم من المقام المحمود، فإذا كان المقام المحمود وهو أعلى مقام لا يُقسم على اثنين، يرده نبينا صلى الله عليه وسلم أخبر الله جل وعلا أن الموصل إليه قيام الليل (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) فأي أمر مرغوب من مطالب الدنيا والآخرة هو أقل شأن من هذا وإنما يدرك إذا وفق الله العبد لأن يقوم بين يديه في الليل قال ربنا: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) وحتى لا يخشى المرء من أنه قد يدركه النهار ولم ينم قال ربنا تعزيةً لنبيه: (إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا(7)} [سورة المزمل]لكن هذه المنازل لا يُرزقها كل أحد ولا يؤتها كل من مبتغى لكن من سلمت لله نيته وصدقت عزيمته، وجمع ما بين قوة القلب وقوة البدن رزقه الله هذا، قال الله جل وعلا عن داود: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ(17)} [سورة ص]فذا الأيد أي اجتمعت فيه قوتان قوة القلب والعزيمة على الطاعة وقوة البدن المسخر لعبادة الله جل وعلا.
هذا ما تيسر إرادة وهيأ أعداده وأعان الله على قوله وأجيب الآن على ما وصلني من أسئلتكم س/ هذا سأل يقول أرى أن قلبي مليء بالعجب والرياء وأشعر أن كل حياتي قائمة على مراءاة الناس ومدحهم وأني لأعمل العمل فأحب أن يعرفه الناس ليمدحوني عليه ثم قال أشياء في نفسه من هذا المنوال؟ ج/ هو أنت أحدٌ حالين إما أنك تعرف هذا حقً من نفسك وأعانك الله على نفسك، وأسأل الله أن يردك إليه رداً جميلاً، الحالة الثانية: أن تكون أنك خائف ولا تعلم هذا من نفسك، فإن كنت خائفاً من هذا الأمر فأنت إن شاء الله تعالى على خير. س/ السؤال الآخر يقول: كيف يرزق المسلم الحكمة؟ ج/ من أسباب الحصول عليها كثرة الإنفاق والله جل وعلا قرن كثرة الأنفاق بإتيان الحكمة (وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [سورة البقرة/269]لكن بلا شك أن قراءة الإنسان لأحوال العباد الحكماء وإطلاعه على سيرهم إنما هو عقل غيرك تجمعه إلى نفسك وتضيفه إليها فيرشدك الله جل وعلا كيف تتصرف في كثير من الحوادث والأمور أعانك الله عليها. س/ هذا يقول ما هي منزلة التوكل من الدين؟ ج/ الأعمال أيها المباركون تنقسم إلى قسمين: أعمال جوارح وأعمال قلوب، فأما أعمال الجوارح فالضابط فيها قول الله جل وعلا: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [سورة التغابن/16]وقول الله جل وعلا: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [سورة البقرة/286]فلا يطلب من الفقير ما يطلب من الغني في الإنفاق، و لا يطلب من سقيم البدني ما يطلب من صحح البدني في القيام و الصيام، و لا يطلب ممن خلا وفرغ من الأشغال من رجل وهو قائم على أمه وأولاده وكثرة عياله، فهنا قال الله جل وعلا : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أما أعمال القلوب فإن الله يقول فيها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [سورة آل عمران/102]ليس فيها (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وإنما الإنسان ينبغي أن يسارع ويسابق إلى الله جل وعلا بقلبه، والتوكل على الله من أعظم أعمال القلوب لكنه لا يعني ذلك أن يترك الإنسان الأخذ بالأسباب، لأن نبينا صلى الله عليه وسلم أعظم المتوكلين وهو عليه الصلاة والسلام ظاهر في درعين يوم أحد وحفر الخندق يوم الأحزاب فأخذ بالأسباب وتوكل على ربه صلوات الله وسلامه عليه. س/ رجل يسعى بين الناس بالفتن يحلف فاجراً وهو يعلم ثم يُكفر، يأكل أموال الناس بالباطل ثم إذا جاء الحج قام ليحج ليغفر الله له ما تقدم من ذنبه وإني لأرجو الإيضاح والحقيقة؟ ج/ وأنا أقول لا أدري هو تكلم عن من السائل ولا نحب أن أخاطب أحدً بعينه، لكن أقول لنفسي وأقول لكم الله جل وعلا أجل وأعظم وأبر من أن يخدع، الله أجل وأعظم وأكبر من أن يخدع هذا واحد، الأمر الثاني ربما قال العبد أعصي الله ثم أتوب لكن يبقى شؤم المعصية، فإن أخوة يوسف تضايقوا من شدة حب يعقوب عليه السلام لأخيهم فكل الذي بيتوه أن يغيبوا يوسف عن أبيه، وقالوا كما نص القرآن (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) لا يزاحمكم يوسف عند أبيكم (وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ(9) [سورة يوسف]، صحيح أنه ذنب أنه معصية أنه عقوق لكن تكونوا من بعده قوماً صالحين، فصنعوا ما صنعوا بأخيهم فأدركهم شؤم المعصية، منذ أن رجعوا كذبوا على أبيهم، ثم ما زالوا يجفونه يوماً بعد يوم ثم بلغ بهم الأمر أن اتهموا أخاهم بالسرقة حتى وقع منهم ما وقع كل ذلك عياذاً بالله مما يعرف بشؤم المعصية، وقد قلت ينبغي أن يُعلم أن الله جل وعلا أجل وأعظم وأكبر من أن يخدع. س/ هذا يقول هل طلب العلم للرد على أهل الباطل يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم : (من تعلم العلم ليماري به العلماء ويجاري به السفهاء أدخله الله النار ) وما هي أصلح الثبات في طلب العلم؟كلمة لم أقرها؟ ج/ هذا لا يدخل فيه، لأن الرد على أهل الباطل ليس من مماراة العلماء ومجاراة السفهاء، إنما ينبغي أن يُرد على أهل الباطل باطلهم، وهذا من العلم النافع الذي يتعلمه الإنسان ويسأل الله العبد دائماً وابدأ أن يرزقه الله عز وجل الإخلاص. س/ هذا يقول أحبك في الله؟ أحبك الله..قضية الثبات في طلب العلم تحتاج إلى عزيمة، لكن العاقل ليس كل ما لاح له برقٌ ذهب يستمطر، يثبت على طريق حتى يصل إلى مراده ولا يتقلب كل يوم على حال، ويحتاج طلب العلم إلى عزيمة، ويحتاج إلى عمل صالح يعينك على الثبات في الدين، و والله لا أعلم كما قال ابن عباس: (عمل صالح يعين على فتح أبواب مغلقة أعظم من بر الوالدة) لا عمل صالح يعين على فتح الأبواب المغلقة أعظم من بر الوالدة، وقد قلنا مراراً في السنن جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: يا ابن عم رسول الله إنني خطبت امرأة أبت علي ولم تقبلني، فخطبها غيري فقبلت، فغّرت من صنيعها فقتلتها، ألي توبة؟!قال ابن عباس:يا ابن أخي أوالدتك حية موجودة، قال: لا، قال: يا ابن أخي أكثر من الاستغفار وتب إلى الله وزد في العمل الصالح، فلما خرج الرجل وخرج ابن عباس تبع عطاء ابن يسار تلميذ ابن عباس تبع ابن عباس وقال يا ابن عم رسول الله رأيتك سألت الرجل عن أمه فلما سألته؟قال: يا عطاء والله لا أعلم عملاً صالحاً أحب إلى الله من بر الوالدة) ويفتح الله لمن بر والدته أبواباً مغلقة وطريقاً بيناً، فإذا أخذ بطلب العلم فأخذ بالأسباب ولحق بالعلماء وركبهم وهو مع هذا يجمع أن يبر والدته، لكن أن يأتي الإنسان فيقبل رأس شيخه وربما زاحم على يده ويحمل له نعله ثم يدخل على أمه يخاطبها من برجٍ عاجي والله لن ينال شيئاً لا من أجر ولا من طلب علم وما يناله من علم حجة عليه لا حجة له،لأن هذا أقل ما يقال عنه أنه كاذب، لم كاذب؟ لأن الله ما قدر حق أحداً بعده كحق الوالدين قال: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [سورة الإسراء/23]وقال:( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) [سورة لقمان/14]شكر الله بالعبادة وشكر الوالدين بالبر، فكيف يزعُم أنه طالب علم وهو يرفع صوته على والديه ويعقهما ثم يسأل الله التوفيق في طلب العلم، القاعدة يا أخي: أن ما تطلبه من عند الله من الرحمة المصطفاة لا ينال إلا بطاعة الله، أما ما تطلبه من العباد تنال بشتى الطرق تخدعني أخدعك، تزين لي القول أزين لك القول يقع، أما ما عند الله لا ينال إلا بطاعته والعلم من أعظم ما يؤتاه العبد فلا ينال إلا بطاعةٍ الله جل وعلا. س/ يقول هل من الممكن أن يكون للآية أكثر من معنى؟ ج/ نعم قال علي بما يروى عنه: (القرآن حمال أوجه) هذا يقع. هذا يسأل سؤال يتعلق بالفرق ليس هذا وقته. س/ توجيهات لمن عنده أحد والديه وأصابه خرف حيث يقع منه بعض الأخطاء؟ ج/ يكلف بعض أخطاء يقع منه تعود على الوالد أو على الولد، لكن في مثل هذه الأحوال يكون الإنسان متلبساً بالستر وأنا أنصح نفسي وأنصحكم أحياناً نزور مرضى أو نقدم على رجال كبار في السن أو على محارم لنا كبار في السن فما هم فيه من أرذل العمر أو من بعض الأمراض يدفعهم إلى أن يقول قولاً غير بين يعني غير محمود، في مثل هذه الأحوال كن كأنك لم تسمع ولم يقل إذا وقفت على شيء من هذا لا تحدث به أحداً ولا زوجتك ولا أولادك واستر يستر الله جل وعلا عليك استر يستر الله جل وعلا عليك والعاقل إذا رأى شيئاً حسناً نشره وإن رأى شيئاً قبيحاً ستره، ويحذر الإنسان من أن يشتم بأحد. فقل للشــامتين بنا أفيقوا * * * سيلقى الشامتون كما لقينا فلو خلد الملـوك إذاً خلدنا * * * ولو بقي الكرام إذاً بقينـا وقد قلت في دروس مضت أن محمداً بن سيرين سجن وهو إمام معروف لأنه أفلس ومات في السجن فقال وهو في سجنه قال: أعلم من أين أتتني هذه المصيبة؟قلت قبل أربعين سنة لأحد الناس يا مفلس، فأصبحت اليوم مفلساً وأنا في السجن، فالإنسان إذا دخل على رجل فيه خرف يعرفه أو لا يعرفه في المستشفى أو في بيت هذه أحوال تغمض فيها العينين ويستر الإنسان فيها على ما يرأى. وأنا أحدثكم عن نفسي والله أنني للآسف قلت يوما لأحد الأمراء أنني رأيت فئاماً من الناس لا يعرفون الأمير الفلاني لما سلموا عليه ينادونه يا أستاذ لا يدرون أنه الأمير، ثم فرغنا من اللقاء فوالله الذي لا إله إلا هو لما فرغنا وانتهينا،وجاء الأمير يودع لما سلم علي قال مع السلامة قلت مع السلامة يا أستاذ، وأنا والله لتوي لكن الحمد لله أنها جاءت في الدنيا ولم تدخر في الآخرة، إني رجعت لبيتي مذهولاً لكن الحمد لله أنها جاءت على هذا الحد، وهذا يؤدب الله جل وعلا به عباده والعاقل لا يشغل نفسه بمعاييب الناس وقد قال الشافعي: وعينك إن أبدت إليك معايباً * * * فدعها وقل : يا عين للناس أعينُ لسانك لا تذكر به عورة امرئ * * * فكلّـك عورات وللناس ألسن س/ هذا يقول ذكرت يا شيخ أن الذبيح هو إسحاق عليه السلام وقد خالفت أغلب علماء الأمة الذين يقولون أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، فما هو دليلك؟ بارك الله فيك ج/ هذا بيناه وفصلناه ثم إن قول القائل عفا الله عنه أغلب علماء الأمة هذا ليس بصحيح، فالمسألة ليس فيها قول للجمهور هناك من قال أنه إسحاق وهناك من قال أنه إسماعيل وسبعة من الصحابة كالعباس بن عبد المطلب وعبد الله بن مسعود قالوا أنه إسحاق والقضية لا يتعلق بها جنةً ولا نار، والأمر فيها يسير. س/ يقول أترافقنا في حملة كذا؟ هذا بيت من بيوت الله ليس فيه دعاية لحملات الحج بقي شيء؟ إن شاء الله تعالى أن طال الله في عمري وعمركم على طاعته نلتقي في شهر الله المحرم كما أعلنا أخي فضيلة الشيخ عبدالله. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags - تاق ) |
| آداب, وقفات |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طريقة عرض الموضوع | تقييم هذا الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| وقفات مع عرفات | قاب قوسين | المحاضرات الإسلامية | 0 | 28-12-10 04:20 AM |
| وقفات مع عرفات | قاب قوسين | المحاضرات الإسلامية | 0 | 28-12-10 04:20 AM |
| وقفات مع آية المباهلة | قاب قوسين | المحاضرات الإسلامية | 0 | 14-10-10 11:46 PM |
| وقفات مع أحداث غزة | قاب قوسين | المحاضرات الإسلامية | 0 | 10-10-09 05:23 PM |
| وقفات مع الأسواق | قاب قوسين | المحاضرات الإسلامية | 0 | 03-10-09 09:56 AM |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|